علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
98
نسمات الأسحار
قوت الشتاء ، وتجعل بعض بيوتها منعرجا عن البعض لئلا يجرى إليها ماء المطر فربما اتخذ بيتا فوق بيت لئلا يسيل إليها ماء المطر وإذا ابتل من تلك الحبوب شئ أخرجته إلى الشمس أيام الصحو ليجف ثم إنها تقطع الحبة نصفين خوفا من أن تنبت وكذلك الشعير والباقلاء والعدس ولئلا ينبت وإذا خرجت من حجرها يوما تذهب يمنة ويوما آخر تذهب يسرة ثم إنها في الذهاب والمجىء كأنها قوافل لا تنحرف عن الطريق ثم إذا ذهبت واحدة منها ورأت شيئا لا تقدر على حمله أخذت منه قدرا ورجعت ، وأخبرت الباقين بذلك ، ربما اجتمع على الشئ الواحد عدد منها يحملونه ويقربونه ويذهبون به إلى الحجر إلى غير ذلك من العجب العجاب . قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : انظر إلى النملة في صغر جمسها ونحافة هيئتها ، كيف دبت على أرضها ونهضت على رزقها تنقل الحبة إلى جحرها تجمع في حرها وبردها ، ورودها لصدورها مكفولة برزقها لا يغفلها المنان ولا يحرمها الديان ولو في الصفاء اليابس والحجر . ا ه . فسبحان من ألهمها رشدها ، اللهم ألهمنا رشدنا وخذ بنواصينا إلى الخير ، واجعل خير مرد مردنا إليك . قال بعض أهل التذكير : إن النملة تكلمت في هذه الآية أعنى ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ . . . بعشرة أجناس من الكلام : نادت ونبهت وسمت وأمرت ونصت وحذرت فخصت وعمت وأشارت وعذرت . أما النداء فيا ، وأما التنبيه فقوله : ها ، وأما التسمية فقوله : النمل ، وأما الأمر فقوله : ادخلوا ، وأما النص فقوله : مساكنكم ، وأما التحذير فقوله لا يحطمنكم ، وأما التخصيص فقوله : سليمان ، وأما التعميم فقوله : جنوده وأما الإشارة فقوله : وهم ، وأما العذر فقوله : لا يشعرون . وأيضا فإن هذه النملة قامت بأداء خمسة من الحقوق : حق اللّه فإنه تعالى جعلها ملك النمل فاحتاطت في رعاية الرعية ، وثانيها : حق سليمان تنبيه على الاحتراز من تقلب البرى على الحرم ، وثالثهما : حق النمل فإنها نصحت النمل حتى وصلت مساكنها فتخلصت عن البلاء ، ورابعها : عن جنود